فخر الدين الرازي
243
المطالب العالية من العلم الإلهي
بعض السفن تذهب بنفسها إلى ذلك الجانب وتلك الأمتعة تقع في تلك السفينة من تلقاء ذواتها ، وتمتلئ السفينة من تلك الأمتعة [ وتعود إلى هذا الجانب ، وتخرج الأمتعة من تلقاء نفسها ، وتقع على الأرض ، وإن تلك السفينة ] « 1 » تعود مرة أخرى إلى ذلك الجانب . فقلبي متعلق . بهذا [ المعنى ] « 2 » المهم ، فاصبروا إلى أن يتم . فقالوا يا أبا حنيفة . هذا الكلام لا يقوله إلا معتوه . قال : ولم ؟ قالوا : لأن حدوث هذه الأحوال ، وظهور هذه الأفعال لا يعقل إلا بحافظ يحفظها ، وفاعل يدبرها . فكيف يعقل حدوثها من غير فاعل ؟ فقال : أبو حنيفة : فالآن أقررتم بوجود الإله . لأن أحوال هذا العالم ليست أقل درجة من أحوال هذه السفينة . فإذا كان صريح العقل شاهد بأن هذه الأحوال لا تتم إلا بمدبر ومقدر ، فأولى أن لا تتم أحوال هذا العالم إلا بمدبر ومقدر ؟ واعلم أن مقصود أبي حنيفة من هذا الكلام : التنبيه على أن العلم بافتقار الحادث [ إلى المحدث علم بديهي ] « 3 » ضروري غني عن الدليل . الحادي عشر : سئل جعفر بن محمد مرة أخرى عن الدليل فقال : أقوى الدلائل على وجوده : وجودي [ وذلك لأن وجودي ] « 4 » حدث بعد أن لم يكن . فله فاعل . ويمتنع أن يقال : فاعل وجودي أنا . لأنه لا يخلو إما أن يقال : أنا أحدثت نفسي ، حال ما كنت موجودا ، أو حال ما كنت معدوما . فإن أحدثت نفسي حال ما كنت موجودا فالموجود أي حاجة به إلى الموجد ؟ وإن أحدثت نفسي حال ما كنت معدوما [ فالمعدوم ] « 5 » كيف يكون موجدا للموجود ؟ فدل هذا على أن الصانع الفاعل لوجودي : موجود غير غيري .
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) من ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) .